محمد علي الحسن

286

المنار في علوم القرآن

فأرض مكة ندّى الدمع مقلتها * حزنا لفرقة جار اللّه محمود التعريف بتفسيره ( الكشاف ) وطريقته فيه : الكشاف - بصرف النظر عما فيه من الاعتزال - تفسير لم يسبق مؤلفه إليه ، لما أبان فيه من وجوه الإعجاز في غير ما آية من القرآن ، ولما أظهر فيه من جمال النظم القرآني وبلاغته ، وليس كالزمخشري من يستطيع أن يكشف لنا عن جمال القرآن وسحر بلاغته ، لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم . لا سيما ما برز فيه من الإلمام بلغة العرب ، والمعرفة بأشعارهم . وما امتاز به من الإحاطة بعلوم البلاغة والبيان والإعراب والأدب ، ولقد أضفى هذا النبوغ العلمي والأدبي على تفسير الكشاف ثوبا جميلا ، لفت إليه أنظار العلماء وعلق به قلوب المفسرين . هذا وقد أحسّ الزمخشري إحساسا قويا بضرورة الإلمام بعلمي المعاني والبيان قبل كل شيء ، لمن يريد أن يفسر كتاب اللّه عز وجل ، وجهر بذلك في مقدمة الكشاف فقال : « . . . ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح ، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح ، من غرائب نكت يلطف مسلكها ، ومستودعات أسرار يدق سبكها ، علم التفسير ، الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم - كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن - فالفقيه وإن برّز على الأقران في علم الفتوى والأحكام ، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرّية « 1 » أحفظ ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن ، وهما : علم المعاني وعلم البيان ، وتمهل في ارتيادهما آونة ، وتعب في التنقير عنهما أزمنة ، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة اللّه ، وحرص على استيضاح معجزة رسول اللّه ، بعد أن يكون آخذا من سائر

--> ( 1 ) القرّية : بكسر القاف وتشديد الراء المسكورة ، أحد فصحاء العرب ، واسمه أيوب والقرية اسم أمه .